31/03/2026

بقلم: سعاد الشامسي 


في أوقات الأزمات، لا تُقاس قوة المجتمعات بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بما تبديه من وعي وتكاتف وقدرة على تحمّل المسؤولية المجتمعية. فعندما تمر المجتمعات بظروف استثنائية، سواء كانت صحية أو بيئية أو إنسانية، تتجلى القيم الحقيقية التي يقوم عليها تماسكها، ويبرز العمل التطوعي بوصفه أحد أهم الأدوات التي تسهم في دعم الاستقرار وتخفيف آثار الأزمات.

فالعمل التطوعي في مثل هذه الظروف لا يُعد مجرد سلوك إنساني نبيل، بل يمثل منظومة مجتمعية متكاملة تعكس مستوى الوعي والمسؤولية لدى الأفراد والمؤسسات، وتؤكد أن مواجهة التحديات لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الجميع.


التطوع كاستجابة سريعة وفعّالة

في خضم الأزمات، تظهر الحاجة إلى استجابات سريعة ومرنة قادرة على تلبية الاحتياجات الطارئة، وهنا يبرز الدور المحوري للمتطوعين في سد الفجوات وتقديم الدعم العاجل، إذ يسهمون في تنظيم الجهود، وتوفير المساعدات، ومساندة الفئات الأكثر تضررًا مما يعزز من كفاءة الاستجابة ويخفف من تفاقم التحديات.

كما ينعكس هذا الدور إيجابًا على النسيج المجتمعي، من خلال ترسيخ روح التضامن والتماسك، حيث تتراجع الفروقات الاجتماعية أمام هدف مشترك يتمثل في تجاوز الأزمة، ويسهم هذا التكاتف في تعزيز الثقة المتبادلة وتقوية الروابط الإنسانية، الأمر الذي يدعم استقرار المجتمع وقدرته على التعافي.


دعم الصحة النفسية للمجتمع

إذا كانت الأزمات تستنزف الموارد المادية، فإن خطرها الأكبر يكمن في استنزاف الروح المعنوية للمجتمع، وهنا تبرز (هندسة الأمل) التي يقودها المتطوعون، حيث يؤدي العمل التطوعي دورًا مهمًا في التخفيف من هذه الضغوط، من خلال المبادرات المجتمعية التي تبث الطمأنينة، وتدعم الأفراد نفسيًا ومعنويًا، وتمنحهم شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الظروف.


الأزمات مصنع للقيادات الشابة

تُعد الأزمات بيئة حقيقية لاكتشاف الطاقات الكامنة لدى الأفراد،  كما تشكل فرصة عملية لتنميةالقدرات و المهارات، فالعمل التطوعي في هذه الظروف يسهم في تطوير مهارات القيادة، وإدارة الأزمات، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار، ومن هنا، يصبح التطوع مساحة عملية لبناء كوادر مجتمعية أكثر جاهزية، قادرة على التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية بثقة ووعي.


تعزيز استدامة العمل المؤسسي

يسهم التطوع المنظم في دعم جهود المؤسسات الحكومية والخاصة، ويعزز من استمرارية تقديم الخدمات خلال الأزمات. كما يعكس مستوى الوعي المؤسسي بأهمية الشراكة المجتمعية ويؤكد أن العمل المشترك بين المؤسسات والأفراد يعد أحد أهم عناصر النجاح في إدارة الأزمات.


إن العمل التطوعي في الظروف الاستثنائية لا يعد خياراً تكميلياً، بل ضرورة مجتمعية تعكس قوة التلاحم الإنساني وقدرة الأفراد على إحداث فرق حقيقي في أصعب الأوقات. فالمجتمعات التي تستثمر في ثقافة التطوع وتؤسس له بشكل منظم، تكون أكثر استعداداً لمواجهة التحديات وأكثر قدرة على التعافي والنهوض من جديد.

 ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تعزيز قيم التطوع وترسيخها كجزء أصيل من منظومة الحياة المجتمعية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات بثقة واقتدار.