بقلم / أ. صالحة العليلي

المدير التنفيذي لجمعية الإمارات لأصدقاء كبار المواطنين


نعيش اليوم في عالم تتسارع فيه التحولات وتتبدل المفاهيم بوتيرة متلاحقة، حتى أصبحت التكنولوجيا دوراً أساسياً في تفاصيل الحياة اليومية، ومع هذه المتسارعات يواجه كبار المواطنين تحديات تمس صحتهم الجسدية والنفسية والاجتماعية، وتؤثر على شعورهم بالانتماء والتواصل مع من حولهم.

لقد أدت انتقال الأسرة من شكلها الممتد إلى الأسرة النووية إلى تقلص مساحة العلاقات الأسرية التي كانت توفر لكبار السن دفئاً واحتواءً، مما انعكس على كبار السن الذين وجدوا أنفسهم مع فراغ عاطفي واجتماعي متزايد، كما أن التطور الرقمي السريع خلق فجوة يصعب على الكثيرين منهم تجاوزها، مما قلل من قدرتهم التقنية وضعف وصولهم إلى الخدمات الإلكترونية التعليمية والتطويرية.

وفي جمعية الإمارات لأصدقاء كبار المواطنين، نؤمن أن الشيخوخة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل مرحلة غنية بالفرص والقدرات والعطاء، وأن مسؤوليتنا تكمن في تمكين كبار المواطنين من عيش هذه المرحلة بكرامة وعزّة وتعزيز دورهم الإيجابي في المجتمع، من خلال مبادرات تزرع الأمل وتستنفر روح العطاء لديهم ولدى من حولهم.

ومن هذا الإيمان جاءت مبادرة «عيش اللحظة» التي تتمثل بجوهر العمل الإنساني التطوعي في رسالتها وأهدافها، فهي دعوة إلى التفاعل الإنساني العميق، وإلى إعادة بناء الجسور بين الأجيال، وتعزيز المشاركة والمحبة.

فإن ابتسامة في وجه كبير أو أن تمد يدك لمن يحتاجها دون مقابل، وأن تزرع البسمة في وجوه الآخرين لأننا ندرك أن العطاء طاقة حياة، و«عيش اللحظة» ليست مجرد مبادرة، بل دعوة للتطوع المجتمعي الجمعي في حب لا قيد فيه ولا تقدير، يتبادل فيه الأدوار متطوعو خدمة الكبار ويعطون الكبار بدورهم أفضل خبراتهم وتجاربهم الممتدة عبر السنين، لتتشكل بذلك علاقة إنسانية متبادلة قوامها الاحترام والعطاء المتبادل.

تسعى المبادرة إلى الوصول إلى شيخوخة نشطة وسعيدة من خلال التكاتف المجتمعي والفرص الاجتماعية والإيجابية لكبار المواطنين، وهي لا تكتفي بتقديم الدعم، بل تسعى إلى إشراكهم في الأنشطة.

التطوعية التي تمنحهم شعوراً بالقيمة والانتماء، لأن من أجمل صور التطوع أن يشعر الإنسان بأنه ما زال قادراً على العطاء، مهما تقدم به العمر. ولمست بنفسي من خلال زياراتي إلى مراكز الرعاية أن التطوع قيمة أخلاقية، بل طاقة حياة، وأن المتطوع حين يأتي، يمد وقته وذكرياته، يمد دفئاً إنسانياً، يوقظ في نفوس كبار المواطنين طاقة الحياة الكامنة من حوله.

إن «عيش اللحظة» ليست مجرد عنوان أو فعالية أو أياماً تعد وتنتهي، هي رؤية متكاملة للحياة، تؤمن بأن الإنسان في كل مراحل عمره يستحق أن يعيش لحظته بكل فرح وسلام، وأن التطوع هو الجسر الذي يعبر من خلاله إلى الآخرين. ومن خلال هذه المبادرة نمنح كبار المواطنين فرصة جديدة للتواصل والمشاركة، وأن نخلق لهم مساحات للتفاعل الذي يبعث في نفوسهم الثقة ويشعرهم بأنهم ما زالوا جزءاً فاعلاً من المجتمع.

وتعيد المبادرة تعريف العلاقة بين العطاء والعمر، فالعطاء لا يرتبط بسن معين، ولا يتوقف عند مرحلة معينة من الحياة، كما أن الخبرة التي يحملها كبار السن لا تقدر بثمن، بل إنها ثروة إنسانية يجب أن نستثمرها من خلال التطوع. فإننا نؤمن بأن كل من كبار المواطنين، عبر حكمتهم وخبراتهم، يمكن أن يكونوا شركاء في خدمة المجتمع، لا متلقين للرعاية فقط.

إن التطوع في مفهومه الأصيل هو ممارسة إنسانية تنعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع، فهو يقوي الروابط الاجتماعية، ويعزز الإحساس بالجدوى والهدف، ويمنح كبار المواطنين على وجه الخصوص طاقة نفسية تبعث فيهم الأمل والرغبة في مواصلة العطاء.

«عيش اللحظة» هي في جوهرها رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بنوعية اللحظات التي نعيشها مع الآخرين، وأن كل لحظة خير تزرع في قلب إنسان هي عمر من المحبة والرحمة والعطاء. ومن خلال هذه المبادرة نضع كبار المواطنين في مركز العطاء الإنساني المستمر، ونؤكد أن الشيخوخة يمكن أن تكون مرحلة ازدهار جديدة إذا أحطناها بالدعم والاهتمام، وإذا فتحنا لها أبواب الخير والتطوع والمشاركة. فكما أن التطوع يبعث روح الأمل في قلوب كبار المواطنين، فإنه يبعث روح الأمل في قلوب المتطوعين أنفسهم أيضاً، لأن العطاء يترك أثراً في النفس قبل أن يصل إلى الآخر. ولعل هذا هو أجمل ما تقدمه مبادرة «عيش اللحظة»؛ فهي لا تزرع الأمل في حياة كبار المواطنين فقط، بل تعيد للمتطوعين أيضاً معنى الإنسانية في أبهى صورها، وتذكرهم بأن العطاء الذي نقدمه للآخرين هو في الحقيقة عطاء نمنحه لأنفسنا قبل غيرنا.