بقلم  الأستاذة / فاطمة موسى البلوشي - المدير التنفيذي لجائزة الشارقة للعمل التطوعي


في الوقت الذي يحتدم فيه النقاش العالمي حول مستقبل كوكب الأرض، وفي ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها التغيرات المناخية والضغوط البيئية، يبرز العمل التطوعي البيئي كأحد أكثر الممارسات فاعلية لتحفيز المجتمع على التحرك والمساهمة في حماية البيئة. لم يعد العمل البيئي حكراً على الحكومات والمؤسسات العلمية، بل أصبح مسؤولية مجتمعية يمكن لكل فرد أن يشارك فيها بوعي والتزام وإرادة.


دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت نموذجاً رائداً في هذا المجال، من خلال دمج التطوع في الرؤية الوطنية للاستدامة، وإشراك فئات المجتمع كافة في مبادرات خضراء تنسجم مع أهداف التنمية المستدامة وتدعم طموح الدولة نحو الحياد الكربوني.


المتطوع البيئي.. صوت الأرض

المتطوعون البيئيون اليوم هم خط الدفاع الأول عن كوكبنا، يشاركون في حملات تنظيف الشواطئ والمحميات، ويزرعون الأشجار، ويرصدون التلوث، ويقومون بدور توعوي كبير لنشر ثقافة الاستهلاك المسؤول. ولا يقتصر دورهم على الجهد البدني فقط، بل يمتد إلى التطوع الرقمي، حيث ينخرط العديد من الشباب في حملات إلكترونية توعوية ومبادرات إعلامية رقمية لرفع الوعي البيئي.


الاستدامة تبدأ من المجتمع

عندما يتطوع الفرد من أجل البيئة، فإن ذلك يعكس فهماً وطنياً وحساً مسؤولاً تجاه الأجيال القادمة. فالمجتمع المستدام لا يُبنى فقط بالقوانين والسياسات، بل بالمواطنين والمقيمين الذين يبدأون التغيير من سلوكهم اليومي، من فصل النفايات، وتقليل استهلاك البلاستيك، والمشاركة في المبادرات البيئية.


وقد شهدنا خلال “عام الاستدامة 2023” طفرة في مشاركة المتطوعين في الأنشطة البيئية بالدولة، ما يؤكد أن روح التطوع البيئي تتنامى وتترسخ ضمن ثقافتنا المجتمعية.


التقنية والتطوع البيئي.. تكامل لا غنى عنه

التطور التكنولوجي بات أحد أعمدة العمل التطوعي الحديث. ففي مجال البيئة، ساعدت التقنيات الحديثة المتطوعين على استخدام تطبيقات لتوثيق النفايات، ورسم خرائط للأشجار المزروعة، ورصد الأنواع المهددة بالانقراض. كما ظهرت مبادرات تطوعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط التلوث أو إدارة الحملات التوعوية الرقمية، وهذا يفتح آفاقاً جديدة أمام المتخصصين في التقنية ليكونوا شركاء فاعلين في الحراك البيئي التطوعي.


منصة وطنية للتطوع البيئي

نحن بحاجة إلى ترسيخ العمل التطوعي البيئي كممارسة وطنية مستدامة، من خلال تطوير منصات موحدة تدرج فرص التطوع البيئي، وتمنح المتطوعين مسارات متنوعة تشمل التوعية، والزراعة، والرصد، وإدارة الفعاليات. كما أن إنشاء “شبكة المتطوعين البيئيين” سيساعد على تنظيم الجهود، وتبادل المعرفة، وتوحيد الأثر المجتمعي.


الخلاصة

البيئة لا تنتظر، وكوكبنا يحتاج إلى كل يد تساهم، وكل فكرة تُزرع، وكل موقف يُتخذ من أجل الاستدامة. إن العمل التطوعي البيئي لم يعد رفاهية، بل ضرورة مجتمعية وركيزة وطنية في مواجهة التحديات البيئية. ودورنا اليوم، كمؤسسات وأفراد، أن نمكّن هذا المسار، ونفتح المجال واسعاً أمام المتطوعين ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء مستقبل أخضر وآمن.. لنحمي بيئتنا.. بتطوعنا.